البحث عن الأمان في جولات طرابلس

قد تعرف بخبر الاشتباك عبر التلفزيون أو عبر اتصال من أحد الأقارب ان كنت من الشمال. قد تكون مناوشة «بسيطة» ضحيّتها قتيل و بضعة جرحى أو قد يتطوّر الأمر الى الأسوأ. الأسوأ هو «العلقة»، أي جولة جديدة من الجولات التي فقدنا تعدادها. وفي هذه الحالة يتحوّل الجميع الى دليل سياحي . في طرابلس، لا ينفع ال “GPS”، بل فقط ارشادات أهل المدينة والعالم بمحاور القتال.

من بيروت الى طرابلس، بعض الطرق الآمنة أو الأقلّ خطورة:

طريق الميناء، حيث لا تدخل على «البلد» أصلا، بل تسلك طريقا قريبا للخط البحري. في الميناء ليس هنالك خطوط تماس، بل كورنيش ومقاهي، مراكب صيد ونقل، ومطاعم سمك.

يقول محمود، صاحب أحد المحلّات الحرفية: على الرغم من الأمان المستتبّ، «الشغل خفيف»، لأن زبائن بيروت أو جبيل يتمنّعون عن القدوم الى المدينة. فالأمر لم يعد كما السابق، المعارك باتت أشرس، والميناء لم تعد بعيدة عن الرصاص الطائش. جزء من أهل الميناء فقط هم من يزاولون أعمالهم ويقصدون المقاهي ويتبضّعون. وعلى كل حال، أهلا وسهلا في الميناء، «مدينة الأفق والأمواج» (كما تقول اللافتة المزروعة على مدخل المدينة)!

ان أردت، يمكنك أن تكمل الى شارع عزمي، حيث محلات الثياب العالمية تزارك تلك المحلّية. أو بامكانك الذهاب للمئتين، أو شارع المعرض «الراقي»، أو حتّى شارع «الكزدورة» عند الحلاب وال «سيتي كومباكس». كما الميناء، هذه الأحياء يطالها الرصاص الطائش الذي زادت وتيرته خلال المعارك الأخيرة، ما يجبر أصحاب المصالح على اقفال محلّاتهم باكرا.

ان أردت الذهاب الى الزاهرية، فخذ حذرك أكثر وأكثر. لا تحاول العبور الى أبعد من فرن المير، فعند نهاية الطريق جسر نهر أبو علي المحاذي للتبانة المشتعلة. وبين الجسر والمير، مدرستي الاميركان الانجيلية ومدرسة الروم وشارع غني بمبانيه القديمة المرممة، يقطعه شباب المنطقة (مشكورين) بمستوعبات ال “Lavajet” كتحذير من رصاص القنص أثناء الاشتباكات.

ومن الزاهرية كذلك، لا تعبر الى خان العسكر، حيث قد تفاجئك قذيفة هاون او ب7 تسقط قربك فالحي بات من أخطر أحياء المدينة.

أمّا ان أردت أن تدخل من المدخل الرئيسي للمدينة، تمرّ من قرب اكسبرس «أبو مشهور»، وتكمل الى ساحة عبد الحميد كرامي، أو ساحة النور (كما يحلو للاسلاميين تسميتها) حيث تشخص أمامك كلمة «الله» عملاقة، وتحتها عبارة «طرابلس قلعة المسلمين». ومن ساحة عبد الحميد كرامي (او النور او حتّى الله)، تتوجه الى ساحة التلّ، القلب النابض ل «البلد». هناك، الساعة القديمة، والحديقة العامة وقصر نوفل، و موقف الروكسي للفانات. على مقربة، سقطت قذيفة دون أن تخلّف ضحايا، لأنّ التلّ تتحوّل الى ساحة أشباح غداة كلّ جولة، وذلك ليس لكثرة استهدافها، بل بسبب المسلّحين الذين يغلقون المحال أو يطلقون النار عليها، كما حدث لمحل أبو حنا للمشروبات.

ومن المدخل الرئيسي كذلك، يمكنك التوجّه الى البحصاص حيث أفران الخبز المتلاصقة، أو تسلك الجسر الى أبو سمراء. ومن البحصاص تصعد الى ضهر العين، تمرّ بطرق الكورة الواسعة والمزفتة جيدا، وصولا الى زغرتا.

وعبر الكورة، طريق آخر يسمح للزائر بتفادي الدخول الى المدينة. من مفرق شكا مرورا ببشمزّين وبطرّام وعابا، على طرفي الطريق بيوت الكورة القديمة والجميلة، وبساتين الزيتون وأشجار الكينا. عند الخروج من طرقات القرى، تبرز جبال الجبّة والزاوية وجبل اهدن. من الكورة الى زغرتا، الطريق آمنة. لكن الوصول الى القبة بات خطرا، فأخبار رصاص القنص من جبل محسن، لا تطمئن. وان وصلت القبة سالما، فلا تحاول الاقتراب من البقّار، فهو أشرس المحاور.

وفي حال صعدت الجسر باتجاه ابو سمراء، فاعلم أنّ لهذه المنطقة وضع مختلف عن سائر المدينة. فلأبو سمراء مشاكلها الخاصة بها والغير مرتبطة مباشرة بجولات المدينة، الّا أنّها، مثلها مثل باقي المناطق البعيدة نسبيا عن الجبهات، قد يصلها بعض الرصاص الطائش. خلال الجولات السابقة، اتّخذ الكثير من القادمين الى مجدليا وزغرتا والقبة هذه الطريق كونها الأقرب. ويقول ريمون، أحد ابناء مجدليا، أنّه في الجولة الأخيرة، لم يكن الخوف من الرصاص الطائش، بل مما هو أخطر، حواجز الميليشيات الطائفية. على الرغم من كل ما سبق، تبقى أبو سمراء أرحم من مناطق جبل محسن والريفا والبقار والمنكوبين وطبعا باب التبانة.

هنا، لست مضطرا أن تستدلّ أصلا. فالجيش على تخوم تلك الأحياء بملّالاته ودشمه يقطع عليك الطريق. يقف كحكم ملاكمة، يفصل بين المتقاتلين حينا و «يترك الفخّار يطبّش بعضه» أحيانا. في هذه الأحياء تدور رحى المعارك الطاحنة. جبل محسن في الوسط، يفصله عن التبانة شارع سوريا (لسخرية القدر)، وأبنية على جانبي الشارع «مدروزة» بالرصاص. في تلك الأحياء، خبر الناس وسائل النجاة؛ حرامات وشراشف تمنع الرؤية عن القناصين، ومهدّات تثقب جدران الطوابق السفلية لتتيح مجالا للهروب من خطوط المواجهة الأمامية، وأكياس رمل مكدّسة على الشبابيك. كل هذا لا يمنع نزوح الناس من المنطقتين. تخبرك أحدى نازحات التبّانة أنّ أهل منطقتها يلجأون الى الزاهرية الأقلّ خطورة. ويخبرك أحد أطفال جبل محسن، أنّه يلجأ مع عائلته الى داخل الجبل، فيما يهرب جيرانه عند بدء المعارك الى بلدة مجدليا المجاورة، ليستطرد قائلا: «بعد كل علقة نقول الحمدالله على السلامة».

الوضع لا يختلف كثيرا عند المنكوبين والبقار، فكلّما تداخلت هذه الأحياء مع الجبل، كلما ازدادت المعارك ضراوة. الّا أنّه بالامكان تمييز المنطقة عن الاخرى بالنظر الى رموز يرفعها طرف وآخر. في الجبل، صورة كبيرة تجمع علي عيد وبشار الأسد، بينما في البقار، ترتفع صور سعد الحريري وخضر المصري، ويفصل بينهما علم «الله أكبر».

تغيّرت طرابلس، كبرت وتوسعت، كما محاورها والأسلحة. في السابق، كانت بعض أحياء المدينة تشلّ؛ أمّا اليوم، فكلّ المدينة. في كلّ جولة، يقفل خان الصابون، وأسواق الذهب والنحاسين، كما المدارس والجامعات.. وتبقى الناس، من خلف المتاريس، تناضل للعيش والاستمرار.

ايلي الخوري

Published in Mish Jareedi August 2013 Printed Edition – click here to view original publication

Advertisements