القضية في مكان والثورة في مكانٍ آخر

إعتدنا في لبنان على تغييب المرأة عن أخبارنا اليومية، سياسية كانت أو إقتصادية أو دبلوماسية. وبإستثناء مذيعة النشرة الإخبارية أو كاتبة المقال، يكاد يغيب العنصر النسائي عن إعلامنا.

لكن مؤخراً، وفي ظرف أسبوع، برز في مقدمة الأخبار خبران مادتهما المرأة، ما يعتبر رقم قياسي.

الأول عن منال عاصي، إمرأة لبنانية كانت ضحية العنف المنزلي، قضت نتيجة تعنيف زوجها لها، والثاني هو ظهور صور قديمة تظهر فيها بطلة التزلج جاكي شمعون عارية الصدر، ما سوقت له إحدى المحطات التلفزيونية الحاملة على أكتافها هموم الشعب اللبناني وقضاياه، على أنه “فضيحة”.

الخبران لا يشكلان تعاظم لدور المرأة اللبنانية ولا يسلّطان الضوء على إنجازاتها. وفي مواجهة موت جرّاء العنف وحادثة تعرّي نهدين أمام الكاميرا، فمن الطبيعي أن يستحوذ أحد الخبرين على الضجة الأكبر، وبالطبع هذا الخبر هو، صدر جاكي شمعون!

عذراً منال، فعلى لوائح الدولة ورجالاتها، نهدي جاكي شمعون يشكلان خطورة على السلامة العامة والأمن القومي أكثر من قتل زوجك لك. وعلى صفحات فايسبوك مجتمع يتآكله الكبت الجنسي والجهل المقنّع، تناقل صور نهدين أَولى من دعم قضية تضع حداً إلى سفك المزيد من دماء النساء.

والأخطر أننا نجد على لوائح الناشطين الإجتماعين، أنّ الأولوية بالدفاع عن “حرية المرأة” هي بالحفاظ على حقها بابراز مفاتنها، فإعفوهم من الدفاع عن حقها بالحياة.

أما الوسائل الإعلامية، فإن موقفها بات متوقعاً، وأولوياتها تتدرج وفق ما يشكّل مادّة دسمة. وكما أثبتت ولائها لتغطية الفتنة السياسية، نراها سبّاقة في تغطية فتنة من نوع آخر؛ “فتنة” ثديي إمرأة.
فإستقبال العراة إنسانياً و أخلاقياً من هواة التحريض المذهبي على شاشتها ليس بـ”فضيحة”، أما نهدين كاللذين يتحكمان بمثل هكذا شاشة “فضيحة”.

رسالتي موجّهة أولاً لأصدقائي الناشطين الإجتماعيين. نيّتكم على الأغلب حسنة، لكن أرجوكم أن تمعنوا النظر في “قضاياكم” وفي سلّم الأولويات.

في تعرّي جاكي شمعون حرية. و في جوهره، الفعل لا يخلّ بسمعة لبنان اللتي لا تشوبها شائبة، و لا يستحق البلبلة اللتي اختلقها البعض. لكن بجعل هذا الفعل قضيتكم ونضالكم في سبيل الحفاظ على حقوق المرأة، فهنا محدودية الرؤية و سذاجة إختيار القضايا. جاكي شمعون تتعرّى في صور دعائية، وفي هذا تسليع للمرأة ولجسدها. في هذا إستعباد للمرأة و ليس تحرراً. و في هذا رجعية إختصار المرأة على كونها جسداً فقط، وليس مشروعاَ لتحصيل حقوقها المتساوية مع حقوق الرجل. في هذا “باترياركية” وذكورية إعلامية وتناقض لكل ما ترفعونه من شعارات لكننا للأسف بتنا نردّد الشعار ولا نسمع صداه.

أما بالنسبة لمنال، فهي ليست الأولى. في لبنان، تموت كل شهر إمرأة ضحية العنف المنزلي. هذا بصرف النظرعن جرائم الإغتصاب و تزويج القاصرات وغيرها من الحوادث التي تشكل خطراً على وضع المرأة في مجتمعنا. فأين أنتم منها؟ أين ثورتكم ونضالكم المستميت من موت منال؟

الإعلام يقرر سلّم الأولويات وفق أجنداته الإقتصادية والسياسية (ما يتضمن العلاقات بين الجنسين). وأنتم تتبعون من غير وعي هذه الأجندات المعدة وتطيعونها، ويا أيها المساكين، تظنون أنكم في ثورة!

بدلاً من التمرد على الواقع السائد، ها هي ثورتكم تلحق الموضة، ثورة “هاشتاجز” و صور عارية .. ثورة جاكي شمعون لأنها جميلة، لأننا كما قال دوري شمعون “نحب الحياة”، كأننا لا نستطيع أن نحبّها بكامل ملابسنا. إليكم الخبر يا رفاق، منال أيضاً كانت تحب الحياة، وغيرها من النساء المعنّفات يحببن الحياة، العشرات ممن يقضون في الإنفجارات يحبّون الحياة. فإن كنتم تقدّرون الحياة، فلتنقذوا ضحايا المستقبل، فلتنقذوا بلدنا من الهلاك،  فلتثوروا ضد القتل والإرهاب والموت، فلتثوروا من أجل الحياة!

يارا نحلة

Published in Mish Jareedi February 2014 printed edition, click here to view original publication

Advertisements