عازف جون لينون على أرصفة لندن

في وقت الذروة، تتدافع الناس على أدراج القطارات. طبعا، باعتبار انهم يعيشون في لندن، مدينة ‘حضارية’ كما يقال، بعد أن يلوي أحدهم ذراعك وهو في عجلة من أمره يعتذر منك. في طريقي الى القطار، أتصفح وجوه الناس وأتخيل نوع الهموم التي ترسم ملامحهم. أسمع صوت شخص يغني لجون لينون أغنية (imagine)  على أنغام غيتاره. بردة فعل عفوية، أسرعت لتحضير بعض النقود لأرميها في قبعته التي عادة يضعها على الأرض أمامه كما يفعل معظم الناس. ما زال بعيدا عني. لكن ان انتظر اللحضة الأخيرة لسحب محفظتي ستهرسني أمواج الناس خلفي. علت الموسيقى تدريجيا كلما اقتربت منه. استمتعت أكثر فأكثر برمزية الأغنية في هذه المدينة. عندما وصلت اليه اقتربت لوضع النقود ولم أجد قبعة ولا مكان آخر لوضع النقود. استغربت لكن لم يكن واردا أن أقاطعه وأسأل. عندما رأى أني مهتم ومندهش، أوقف الغناء وقال لي أنه لا يعزف هذه الأغاني في الشوارع لكسب المال، بل كهواية ممتعة.

أعيش في مدينة تحفر في عقلك، عن غير قصد، أن كل ما هو مفرح له ثمن مادي. تصبح الفكرة أمر واقع. مع الوقت، لا تبقى فكرة، لا تعد تفكر فيها كفكرة. لا تفكر فيها اطلاقا، كأنما هذه طبيعة الحال. لا تسعد الا كنتيجة لصرف المال. لكن بعد أن التقيت هذا الشاب، وجدت في الكثير من الأشياء في هذه المدينة الغنية متعة بدون مقابل، متعة لم ينجح النظام الاقتصادي في تسعيرها وتعليبها وتسويقها (حتى الآن). لكن، والحق يقال، نجح النظام باقناع الناس أن “كل شي بحقه”. وأقنعهم أيضا أن ليصبح كل شي بقيمته يجب أن تكون الأمور ميسرة للمنافسة. فيمر الناس قرب الشاب الذي يغني ولا يرونه، لا يبدو أن فكره و’انتاجه’ له قيمة. عيونهم مثبتة على الاعلانات التي تحاوطه وغيتارته من كل مكان. حاولت الاستماع لأغنية جون لينون في غرفتي، وحدي مع كوب شاي ساخن. لم تعد تؤثر بي الأغنية وأنا أسمعها وحدي. تبين لي أن ‘قيمتها’ في “اشتراكيتها“. قيمتها في جمع الناس بفكر موحد يناهض الفكر المسعّر والمبرمج الذي قرأته في ملامح وجوه الناس وهم يركضون ليلحقوا بالقطار. سأنتظر الشاب وأمثاله، سنجمع بعضنا، و نوحد فكرنا، ولن نركب القطار

إبراهيم حلاوي

Published in Mish Jareedi February 2014 printed edition, click here to view the original publication

Advertisements